جلال الدين السيوطي

400

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

إثباته مع العلم بوضعه . وللشيخ تقي الدين السّبكيّ كتاب : « سبب الانكفاف عن إقراء الكشّاف » وهو هذا : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي هدانا بنبيه محمد ، وأحسن عاقبتنا به وأحمد ، وشرّفنا باتباعه وأسعد ، ورفعنا فوق كثير من خلقه وأصعد ، ووفقنا بسنته إلى أقوم مقصد ، صلّى الله عليه وعلى آله ما أتهم ركب وأنجد ، ولاح قمريّ وغرّد ، وسلّم تسليما كثيرا لا يبيد ولا ينفد . وبعد ؛ فإنّ كتاب الزمخشريّ كنت قرأت منه شيئا على الشيخ علم الدين عبد الكريم بن علي المشهور بالعراقيّ في سنة اثنتين وسبعمائة ، وكنت أحضر قراءته عند قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجيّ ، وكان له به عناية ومعرفة ، ثم لم أزل أسمع دروس الكشّاف المذكور ، وأبحث فيه ، ولي فيه غرام لما اشتمل عليه من الفوائد والفضائل التي لم يسبق إليها ، والنّكت البديعة والدقائق التي بعد الحصول عليها ، وأتجنّب ما فيه من الاعتزال ، وأتحرّج الكدر ، وأشرب الصفو الزلال ، وفيه ما لا يعجبني مثل كلامه في قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [ سورة التوبة ، الآية : 43 ] وطلب مني مرّة بعض أهل المدينة نسخة من الكشّاف ، فأشرت عليه بأن لا يفعل حياء من النبيّ ( صلّى اللّه عليه وسلم ) أن يحمل إليه كتاب فيه ذلك الكلام ، ثم صار هذا الكتاب يقرأ عليّ وأنا أسفر عن فوائده وأعوم به حتى وصل إلى تفسير سورة التحريم ، وقد تكلّم في الزّلّة ، فحصل لي بذلك الكلام مغص ، ثم وصلت إلى كلامه في سورة التكوير في قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [ سورة التكوير ، الآية : 19 ] إلى آخر الآية : والناس اختلفوا في هذا الرسول الكريم ، من هو ؟ فقال الأكثرون : جبريل . وقال بعضهم : هو محمد ( صلّى اللّه عليه وسلم ) . فاقتصر الزمخشريّ على القول الأول « 1 » ، ثم قال : وناهيك بهذا دليلا على جلالة مكان جبريل وفضله على الملائكة ومبانة منزلته بمنزلة أفضل الألي محمد ( صلّى اللّه عليه وسلم ) إذا وازنت

--> ( 1 ) انظر : الكشاف : 4 / 711 .